صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

187

تفسير القرآن الكريم

من مال وغيره ، فما أقبح للعاقل أن يبخل بمال يكون عارية بيده من غيره وسينتقل إليه وهو يأمره بالإنفاق الذي فيه صلاح له ولغيره ، فالآية من أعظم الحثّ وأبلغ البعث على الإنفاق في سبيله . ثم بيّن سبحانه مراتب المنفقين في الفضيلة والأجر وتفاوت درجاتهم بحسب الإنفاق في سبيله فقال : لا يستوي منكم من أنفق - من قبل فتح مكة وشوكة الإسلام وكثرة أهله وقوتهم وقلة الحاجة إلى القتال ونفقة المقاتلين ، ومن أنفق من بعد الفتح . وحذف لوضوح دلالة الكلام عليه ، وقرء : « قبل الفتح » . أولئك - أي : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين أنفقوا قبل الفتح وجاهدوا في سبيل اللّه - أعظم درجة - عنده - من الذين أنفقوا - بعد الفتح ، ثم سوّى بين الجميع في الوعد ومطلق الخير والمثوبة الحسنى - وهي الجنة - مع التفاضل في الرتب والدرجات . واللّه سبحانه - لكونه عالما لا يخفى عليه شيء من الدقيق والجليل ، خبير بما تعملون من إنفاقكم وجهادكم ، بصير بموازين الأفعال والأعمال ومراتب فضلها بحسب الصعوبة والمشقة ، ودرجات شرفها بحسب النية والبصيرة والإخلاص والسريرة . مكاشفة 86 واعلم إنه كما يتفاوت درجات المؤمنين بحسب أعمالهم البدنية وأفعالهم الظاهرية قبل انتشار نور الإسلام وظهور عزه وقوة أهله ودخول الناس في دين اللّه أفواجا وبعده ، كذلك يتفاوت درجات أهل اللّه وأولياء معرفته بحسب سلوكهم الباطني وسفرهم إلى شهود معرفة اللّه ومهاجرتهم عن موطن النفس ابتغاء لوجه اللّه ومجاهدتهم مع أعداء اللّه وأولياء الطاغوت تقربا إلى الحق بحسب معارفهم وعلومهم الاعتقادية الحاصلة قبل المكاشفة ، فإن من كانت اعتقاداته حقة مطابقة لنفس الأمر